السيد هاشم البحراني
613
البرهان في تفسير القرآن
إبراهيم ( عليه السلام ) أن يسلم إليهم جميع ما أصاب في بلادهم ، وقضى على أصحاب نمرود أن يردوا على إبراهيم ( عليه السلام ) جميع ما ذهب من عمره في بلادهم . فأخبر بذلك نمرود ، فأمرهم أن يخلوا سبيله ، وسبيل ماشيته وماله ، وأن يخرجوه ، وقال : إنه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم ، وأضر بآلهتكم . فأخرجوا إبراهيم ولوط معه ( صلوات الله عليهما ) من بلادهم إلى الشام فخرج ومعه لوط لا يفارقه ، وسارة ، وقال لهم : * ( إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ) * يعني بيت المقدس ، فتحمل إبراهيم ( عليه السلام ) بماشيته وماله ، وعمل تابوتا ، وجعل فيه سارة ، وشد عليها الأغلاق غيرة منه عليها ، ومضى حتى خرج من سلطان نمرود ، وصار إلى سلطان رجل من القبط ، يقال له عرارة ، فمر بعاشر « 1 » له ، فاعترضه العاشر ليعشر ما معه ، فلما انتهى إلى العاشر ومعه التابوت ، قال العاشر لإبراهيم ( عليه السلام ) : افتح هذا التابوت حتى نعشر ما فيه . فقال له إبراهيم ( عليه السلام ) : قل ما شئت فيه من ذهب وفضة حتى نعطي عشره ، ولا نفتحه . قال : فأبى العاشر إلا فتحه . قال : وغضب إبراهيم ( عليه السلام ) : على فتحه ، فلما بدت له سارة - وكانت موصوفة بالحسن والجمال - قال له العاشر : ما هذه المرأة منك ؟ قال إبراهيم ( عليه السلام ) : هي حرمتي وابنة خالتي ، فقال له العاشر : فما دعاك إلى أن خبيتها في هذا التابوت ؟ فقال إبراهيم ( عليه السلام ) : الغيرة عليها أن يراها أحد . فقال له العاشر : لست أدعك تبرح حتى اعلم الملك حالها وحالك . قال : فبعث إلى الملك رسولا ، فأعلمه ، فبعث الملك رسلا من قبله ليأتوه بالتابوت ، فأتوا ليذهبوا به ، فقال لهم إبراهيم ( عليه السلام ) : إني لست أفارق التابوت حتى تفارق روحي جسدي . فأخبروا الملك بذلك ، فأرسل الملك أن احملوه والتابوت معه ، فحملوا إبراهيم ( عليه السلام ) والتابوت ، وجميع ما كان معه ، حتى ادخل على الملك ، فقال له الملك : افتح التابوت . فقال له إبراهيم ( عليه السلام ) : أيها الملك ، إن فيه حرمتي وابنة خالتي ، وأنا مفتد فتحه بجميع ما معي . قال : فغصب الملك إبراهيم ( عليه السلام ) على فتحه ، فلما رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أن مد يده إليها ، فأعرض إبراهيم ( عليه السلام ) بوجهه عنها وعنه غيره منه ، وقال : اللهم احبس يده عن حرمتي وابنة خالتي . فلم تصل يده إليها ، ولم ترجع إليه . فقال له الملك : إن إلهك هو الذي فعل بي هذا ؟ فقال : نعم ، إن إلهي غيور يكره الحرام ، وهو الذي حال بينك وبين ما أردت من الحرام . فقال له الملك : فادع إلهك يرد علي يدي ، فإن أجابك لم أعرض لها . فقال إبراهيم ( عليه السلام ) : إلهي رد عليه يده ليكف عن حرمتي . قال : فرد الله عز وجل عليه يده ، فأقبل الملك نحوها ببصره ، ثم عاد بيده نحوها ، فأعرض إبراهيم ( عليه السلام ) عنه بوجهه غيره منه ، وقال : اللهم احبس يده عنها . قال : فيبست يده ، ولم تصل إليها . فقال الملك لإبراهيم ( عليه السلام ) : إن إلهك لغيور ، وإنك لغيور ، فادع إلهك يرد علي يدي ، فإنه إن فعل لم أعد . فقال له إبراهيم ( عليه السلام ) : أسأله ذلك على أنك إن عدت لم تسألني أن أسأله . فقال له الملك : نعم . فقال إبراهيم ( عليه السلام ) : اللهم ، إن كان صادقا فرد عليه يده . فرجعت إليه يده . فلما رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى ، ورأى الآية في يده عظم إبراهيم ( عليه السلام ) ، وهابه ، وأكرمه واتقاه ،
--> ( 1 ) العاشر والعشّار : قابض العشر . « لسان العرب - عشر - 4 : 570 » .